السبت، 8 ديسمبر 2012

لعقلية الظلامية القروسطية التي تحكم عقيدة حلف شمال الأطلسي «ناتو», القائمة على محاكم التفتيش «الحكم على النيات»

في هذه الدراسة يسلط الكاتب الفرنسي التقدمي جورج ستانيشي, الضوء على العقلية الظلامية القروسطية التي تحكم عقيدة حلف شمال الأطلسي «ناتو», القائمة على محاكم التفتيش «الحكم على النيات»

 فيما يخص ملف إيران النووي, وكذلك الحروب الاستباقية, ونشر الخراب والفوضى في أي مكان من العالم, وقلب أنظمة الحكم التي تتمسك بسيادتها واستقلالها لأنها لاتفتح أبواب بلدانها للشركات الغربية الكبرى كي تنهب ثرواتها مقابل دعم أكثر الأنظمة السياسية ظلامية وتخلفاً كمشيخات الخليج.
مأساة فلسطين, يختزلها « ناتو» في تقاريره إلى مجرد «توترات قائمة ومزمنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين». أما التوترات الحقيقية التي خلقها كما هو الحال في أفغانستان فيوصفها بالقول: «كل شيء يجري على مايرام»!.
من بين الكم الكبير من العيوب، نجد أنفسنا مشدودين إلى مراجعة الفصل الأول من التقرير الذي يعالج مسألة «بيئة الأمن»، بمعنى «المخاطر الدولية» بشقيها «السياق» و«التحليل». نحن لانزال أسرى الايديولوجيا الظلامية لهذه المنظمة التي وضعت في صلب أولوياتها القيام بعمل استقصائي عن المخاطر، بهدف تفخيخ السلام عبر العالم عن سابق اصرار وتصميم، مخفية المخاطر الأكثر قابلية للانفجار، وهي أربع:
تعمد الغرب ترك أخطر بؤرة توتر في العالم، تستمر أطول زمن ممكن، تتجلى في فلسطين المحتلة، مقطعة الأوصال، يمارس فيها الاحتلال أبشع أشكال التطهير العرقي منذ أكثر من ستين عاما، محكوم شعبها بعنف مطلق، ومذابح مستمرة، نتيجة امتناع قوات الاحتلال عن تطبيق نحو أربعين قراراً أمميا بهذا الشأن حتى الآن.
تواطؤ الدول الغربية في حصار، هو الأكثر وحشيةً ولاشرعية، المفروض منذ عدة سنوات على نحو 1.5 مليون فلسطيني والذي سيبقى كأضخم معسكر اعتقال عرفه تاريخ البشرية... إنه غزة. ولقد فرّغ تقرير حلف الناتو كل هذه المسألة من مضمونها ببضع كلمات: «التوترات القائمة بين العرب والاسرائيليين».
الاستمرار في «شيطنة» ايران، والحفاظ على مناخ من الشك والتوترات المحتملة، التي من شأنها أن تصعق المنطقة والعالم، عبر فرض عقوبات أحادية الجانب على هذا البلد، تطبقها حصراً أهم الدول الأعضاء في الحلف (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، في خرق تام للقانون الدولي، وشرعة الأمم المتحدة، وقراراتها ذات الصلة، وكذلك معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، التي تسمح لكل الموقعين باستخدام الطاقة النووية المدنية، وذلك في مشهد بالكاد يمكن اخفاؤه عن تحريض محموم «لحرب فناء استباقية» بذرائع ليست فقط غير عقلانية بل مثيرة للسخرية أيضا من مثل: «... ضبابية النيات الإيرانية»..
هل ثمة قانون في العالم يعاقب على النيات؟
الدعم المطلق- والذي سيكون المحرك الرئيس للثورات القادمة - لأسوأ الأنظمة الاستبدادية عبر القارات، بمجرد أن يضع قادة هذه الدول ثروات بلدانهم بتصرف الشركات الغربية الكبرى. وأبلغ مثال على ذلك نجده في شبه الجزيرة العربية التي تحكمها أكثر الأنظمة الاستبدادية فساداً في العالم، لأنها أنظمة خلقها الغرب، بعد تقاسم إرث الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، فأنشأ ما يسمى بـ «المملكة العربية السعودية»، ومشيخات البترودولار التي تدور في فلكها في منطقة الخليج. ولا أدل على ذلك من إحاطة مايجري في البحرين من انتفاضة شعبية منذ السنة الماضية بصمت مريب، يخفي وراءه عمليات قمع وحشي تمارسه هذه الأنظمة الخلبية، من دون أن نغفل عن ضم «مملكة الأوبريت» الأردن، ذاك النظام البوليسي، اللانفطي، والذي لايقل وحشية عن مشيخات الخليج.
نشر الظلم الاجتماعي والاقتصادي، حتى في البلدان الغربية، بشكل يفضي إلى زيادة هائلة في معدلات البطالة ومستوى الفقر.. جوع وفقر في بلدان غنية بثرواتها نتيجة نهب الشركات الغربية لها، كما هو الحال في أفريقيا: محاصيل زراعية منهوبة (البن، والقطن، والكاكاو، والشاي، والخضار الطازجة) لحوم بحرية (أسماك خليج غينيا وسواحل موريتانيا) ثروات باطنية (نفط، يورانيوم، ومعادن نادرة)!
جعل الوصول إلى المياه النقية، والتعليم، والطبابة، لمئات الملايين من البشر أمراً مستحيلا؟
أما بالنسبة لحلف الناتو،فكل شيء يجري على مايرام.!؟
بيروقراطية الفوضى
في الواقع، لم يكن الهدف من عقد قمة حلف شمال الأطلسي تقويم مبادئ وسياسات الحلف حتى عام 2020، أو التفكير في وضع حد لاحتلال أفغانستان، أو حتى التفكير في التطورات التي سوف يشهدها القرن الحالي في عالم الغد، بل المصادقة على الهرطقات، والعمليات الحربية للذراع العسكرية للكتلة الاستعمارية الامبريالية المصابة بمرض العظمة، للقرن القادم من الزمن. ويجسد الباحث الايطالي مانليو دينوتشي تلك الحالة بالقول: «هكذا يجدد الحلف نفسه دائما بالعودة للشرب من منهل شبابه: الحرب».
لو نظرنا إلى مابعد العقيدة المسيحية التي تحكمه، ماذا في وسعنا أن نقول عن بيروقراطية الفوضى؟ لنضع جانبا «مسؤولينا السياسيين» ومنتخبينا المحليين (بالمناسبة جميعهم يخرجون بفضائح مجلجلة) ووسائل إعلامنا المعروفة بممارستها للبروباغندا، بعلم الجميع وإقرارهم، ولنبدأ بأمينه العام المثير للشفقة، رئيس الحكومة الدانمركية الأسبق أندرس فوغ راسموسن، الذي خرج بتصريح يقول:... يجب التخلص من الشحوم، والاحتفاظ بالعضلات. وهكذا، فإن حلف الناتو الذي يضم نحو 13000 موظف في مقر قيادته في العاصمة البلجيكية بروكسل، موزعين على 11 مركز قيادة حالياً، لن يزيدوا لاحقا على 9 آلاف شخص.
إنه برج بابل، مصحوبا برزمة من الفروع والطبقات، في تدافع بين المقاولين، «تجار الأمن»، والمكاتب غير الرسمية الملحقة: يبلغ القوام الفعلي للحلف نحو 20 ألف شخص، هم في الواقع عدد من الوكالات المستقلة إلى حد ما، والتي تم إنشاؤها لهذا الغرض، تضم نحو 6000 رجل، أي ما يزيد على نصف الرقم الذي صرح عنه الأمين العام للحلف.
 في الواقع، تعد منظمة حلف شمال الأطلسي تقاعس الدول الـ 28 الأعضاء عن الإنفاق الدفاعي كارثة على «حماية الحضارة الغربية». لذا فهي لاتتوانى عن توجيه الانتقاد للدول الأعضاء، ملوحة بتصنيفها في عداد «الدول المارقة» إن لم تتخذ من الولايات المتحدة أنموذجا يحتذى في الإنفاق الحربي والاستثمار في القطاع العسكري : «إن العقبة الرئيسة أمام التحول نحو العسكرة، هي غياب الإنفاق الدفاعي، والاستثمار في الأبحاث العسكرية في أوروبا اليوم...  إذ انه لا يوجد سوى ست دول من أصل 26 دولة تخصص مايزيد على 2% للدفاع من ناتجها المحلي، الأمر الذي خلق فجوة هائلة بين قدرات الولايات المتحدة الحربية، وبقية حلفائها، وإذا لم يتم رأب هذه الهوة فستكون لها منعكسات سلبية على تماسك الحلف نفسه».
اكتفت بيروقراطية الاتحاد الأوروبي بالتعليق على ذلك الإنذار القاسي، بتصريح ضبابي أطلقته كلود فرانس أرنو، مديرة الوكالة الأوروبية للدفاع، عقب انتهاء أعمال مجلس وزراء الدفاع المشترك الذي انعقد في بروكسل يوم الخميس 22 آذار الماضي بقولها: «يجب علينا أن نجد إجابات عاجلة لتساؤلات حلف الأطلسي، وأن نحد من مفاعيل خفض موازنات الدفاع في دول الاتحاد».
وفي الحالة الخاصة بفرنسا، نجد في أكثر المنشورات جدية «مختبر بحوث الدفاع» صدى لهذا التحذير «...إن كل تخفيض يطرأ على موازنة الدفاع من مجمل الناتج المحلي، أو من نسبة الموازنة العامة للدولة، يؤدي إلى إضعاف أنموذج الدفاع الفرنسي».
فرنسا ضعيفة؟
أيتها السماء.. الخوف يعتصر قلبي، ولا أستطيع النوم بعمق.
لذا، ذهبت إلى استوكهولم، لأطرق باب أكثر المراجع جدية «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام Stockholm International Peace Research Institute» الذي يقوم بجمع المعلومات سنويا عن كل موازنات الدفاع والإنفاق الحربي على سطح المعمورة، ثم يضعها في قاعدة بيانات متاحة على الانترنت، بعد أن ينتهي من تحليلها وإجراء المقارنات فيما بينها، وإظهار التطورات التي طرأت عليها بين عام وآخر.
يوضح الجدول الآتي موازنات الدفاع للعام الماضي 2011 لأهم هذه البلدان، باستثناء الولايات المتحدة:
-ألمانيا 43.478 مليار دولار
- فرنسا 58.244 مليار دولار
- روسيا 64.123 مليار دولار
-الصين 129.272 مليار دولار
فمن بين جيران فرنسا، وكذلك أصدقاؤها ربما، فقط موازنة الدفاع الروسية تتجاوزها بنسبة 10.09% وهو أمر مفهوم للغاية، إذا أخذنا في الحسبان المساحة الشاسعة للدولة الروسية (37 مرة ضعف مساحة فرنسا) والثروات الهائلة التي تتمتع بها والتي هي محط أنظار الكثير ممن يتربصون بها.
إن تحليل هذه الموازنات مثير للدهشة أو الأريحية، حسب وجهة نظر كل منا. فلو أخذنا مجمل موازنات الدفاع لأهم ثلاث دول أوروبية (فرنسا، ألمانيا، وبريطانيا) البالغة 160 مليار دولار للعام الماضي 2011، لوجدنا أنها تزيد بنسبة 23.45% عن موازنة الصين الدفاعية للسنة نفسها. ومع ذلك، تستمر الولايات المتحدة في استخدام موازنة الصين الدفاعية كفزاعة دائمة تخيف من خلالها مواطنيها من مخاطر التسلح الصيني، التي تقل اعتماداتها كثيرا عن أهم الدول الأوروبية، رغم مساحة الصين البالغة 9.6 ملايين كم مربع، وعدد سكانها الذي ينوف عن 1.5 مليار نسمة، إضافة لما يحدق بها من تهديدات دائمة في بحر الصين، وأطماع امبريالية تهددها دائما.
وفي الواقع، فإن موازنة التسلح الصينية لاتشكل أكثر من 5% من كتلة موازنة الدول الـ 28 الذين يشكلون حلف الناتو وحلفائه في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. كما يجب ألا ننسى أيضا أن بلدانا أخرى محسوبة ضمن المنظومة الغربية، وهي بمساحتها وعدد سكانها الضئيل، تتمتع بموازنات تسلح تفوق الصين نسبيا، كأستراليا (22.955 مليار دولار) كوريا الجنوبية (28.280 مليار دولار) اليابان (54.229 مليار دولار) تايوان (8.888 مليارات دولار) نيوزلندا (1.566 مليار دولار) رغم أن هذه الدولة الأخيرة لاتشكل في حجمها أكثر من اقليم صغير، مساحةً، وعدد سكان، مقارنة مع الصين.
لوبيات الضغط في مجمع الصناعات الحربية الأمريكي، لاتوفر فرصة لممارسة ضغوطها على بقية حلفاء الولايات المتحدة، عبر حملات إعلامية تشنها وسائل إعلامها التي تسيطر عليها بالكامل، بهدف حث هذه الدول على تخصيص نسب أعلى من ناتجها المحلي الخام في موازنات الدفاع، واعتماد الأنموذج الأمريكي في الاستثمار الحربي، لأن الحروب هي استثمار غربي رابح دائما.
مَن يدري، ربما تتمكن لوبيات الضغط هذه من فرض شرط التسلح والاستثمار الحربي في متن الدساتير الغربية، لتكون بنداً قانونياً ملزماً لكل الحكومات المتعاقبة بين ضفتي الأطلسي وتوابعهما في العالم؟!.

خلاصة
بعد كل ما ورد، ألا ينبغي بنا أن نعد هذه المنظمة، بما تمثله من أيديولوجيا قائمة على التسلح وشن الحروب، وهدر هائل للأموال العامة، «حفرة عميقة بلا قعر» ذات تأثير سيئ جدا على مستقبل، وأمن، ورفاه مجتمعاتنا؟
سأكون أكثر دقةً في الإجابة:
أمام عجز منتخبينا السياسيين، وضلوعهم ومسؤوليتهم في كم الأفواه، والهيمنة على منظمة حربية تفوق بقوتها الأمم المتحدة التي يفترض بها أن تلعب دور الحكم في العلاقات الدولية بالنظر إلى الكوارث الإنسانية والتدمير الممنهج الذي تحدثه منظمة حلف شمال الأطلسي، التي باتت تشكل في نظري، الخطر الأكبر على البشرية في القرن الحادي والعشرين.
حلف الناتو هو حقيقة، منظمة من العصور الوسطى بعقيدتها الحربية، وأسلوب محاكم التفتيش التي تفرضها عبر «شيطنة» خصومها، أو نزع الشرعية عنهم، موجهة إليهم إما تهمة القدح والذم، وإما الهرطقة، كما في قصص الساحرات في القرون الوسطى «الحكم على أساس النيات».
تخضع لهذه المنظمة أقوى شبكة إعلام تمارس البروباغاندا بمستوى من الانحطاط والتضليل بات مكشوفاً للجميع، وبات صعباً على المجتمع المدني أن يضبط هذه المنظمة من خلال مؤسساته الديمقراطية التي تتراجع مع تراجع الحريات العامة.
ففيما وراء الانحطاط الفكري لهذا «الدين الجديد» المتمثل بأيديولوجيا عسكرية، أساسها فكر استعماري متعصب، لايعرف إلا الدمار والمذابح البشرية، والتخطيط لها بأرقام تراكمية، شهدنا أمثلة مروعة منها عبر موت ملايين الأبرياء خلال القرن الرابع عشر الميلادي في العديد من البلدان، في أوروبا كما في الشرق الأوسط، وآسيا.. أبرياء لقوا الموت بفعل الطاعون الأسود.
أجل..
يجسد حلف شمال الأطلسي، من هذه الزاوية، الطاعون الأسود للقرن الحادي والعشرين.

المصدر:
le grand soir

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق